يركز علم الجريمة على أسباب وعواقب الجريمة وكذلك كيفية استجابة نظام العدالة الجنائية للجريمة، فيهتم علماء الجريمة بكيفية تعريف الأنشطة على أنّها إجرامية ولماذا تختلف تعريفات الجريمة عبر البلدان وبمرور الوقت، ويتضمن الموضوع مجموعة واسعة من النظريات الاجتماعية والنفسية وغيرها من المجالات التي تحاول تفسير السلوك الإجرامي والتشغيل الفعال لنظام العدالة الجنائية.

النظريات متعددة التخصصات

 

بالطبع لم يكن علماء الاجتماع هم الوحيدون المهتمون بأسباب الجريمة، بينما كان علم الاجتماع يهيمن على دراسة الجريمة في الجامعات، وكان علماء النفس وعلماء الأحياء وغيرهم يفكرون في كيفية تفسير تخصصاتهم أو وجهات نظرهم النظرية مثل هذا السلوك، وعلاوة على ذلك أصبح من الواضح أنّ هذه المنظورات الأخرى قدمت مناهج معقولة بالإضافة إلى بعض الأبحاث التي أظهرت أنّ هذا النهج كان لديه مستوى معين من الدعم التجريبي.

 

تدريجيًا ظهر نموذج لتفسير الجريمة لا يزال معنا حتى اليوم خاصة في النصوص الإجرامية القياسية وهو: التفسير متعدد التخصصات للسلوك الإجرامي، حيث يجادل هذا النهج بأنّ الناس يصبحون مجرمين بسبب مجموعة من التفسيرات المستمدة من جميع العلوم الاجتماعية والسلوكية بما في ذلك علم الأحياء وعلم النفس والأنثروبولوجيا والاقتصاد وعلم الاجتماع، وفقط باستخدام كل هذه المنظورات يمكن للمرء أن يفهم السلوك الإجرامي.

 

يمكن ملاحظة ذلك في النصوص الإجرامية المعاصرة التي تحتوي على فصول منفصلة حول كل من هذه الأساليب لشرح الجريمة، وبالطبع المناهج متعددة التخصصات ليست نظريات على الإطلاق، ولكنها بدلاً من ذلك هي البحث عن مجموعة المتغيرات السببية التي تفسر أكبر قدر من التباين في حدوث السلوك الإجرامي، وقد كان شيلدون وإليانور جلوك (Sheldon and Eleanor Glueck) أبرز ممارسي علم الجريمة متعدد التخصصات، وفي سلسلة من الدراسات المطولة سعوا إلى إيجاد العوامل التي تفكك جنوح الأحداث والسلوك الإجرامي للبالغين.

 

كان شيلدون جلوك (Sheldon Glueck) محامياً مع القليل من التعليم المتقدم في العلوم الاجتماعية والسلوكية، وعلى الرغم من أنّ إليانور حصلت على هذا التعليم إلّا أنّ شيلدون هو من صاغ نهجها في البحث والنظرية.

 

من خلال العمل في بيئة كلية الحقوق اتبعوا طريقة قائمة على التجربة للتنبؤ وشرح انتهاكات القانون الجنائي للأحداث والبالغين، وأدلى كل منهما ببيان واضح بشكل خاص عن موقفهم ورفضهم للاختزال النظامي، حيث أوضحوا فيه بأنّه من المعروف أنّ الغالبية العظمى من الأطفال الذين نشأوا في الأحياء الفقيرة الحضرية لا يصبحون منحرفين على الرغم من الحرمان من البيئة الشريرة، وعلى الرغم من حقيقة أنّهم وأولياء أمورهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الفرص الاقتصادية المثمرة، وعلى الرغم من حقيقة أنّهم كذلك، والسباحة في نفس الثقافة الفرعية المعادية للمجتمع التي يقال إنّ الجانحين وأعضاء العصابات يزدهرون فيها.

 

كان موقف كل من شيلدون وإليانور جلوك هو أنّ النهج الاجتماعي السائد آنذاك لا يمكن أن يفسر الواقع التجريبي بأنّ معظم الأفراد الذين نشأوا في مناطق عالية الجريمة ليسوا مجرمين، وكان تركيزهم ينصب على شرح سبب تحول قلة في تلك المناطق وفي بعض الحالات ظلوا لسنوات عديدة إلى المجرمين بينما لم يفعل الآخرون ذلك.

 

للإجابة على هذا السؤال سعيا لمعرفة ما يميز المخالف للقانون عن المخالف غير القانوني عندما يأتي كلاهما من نفس الظروف الاجتماعية المحرومة، وللقيام بذلك قاموا بدراسة الأفراد ذوي الوضع الاجتماعي المتشابه بحثًا عن الخصائص المشتركة التي تميزهم، وبالاعتماد على ما اعتبروه أفضل المصادر الممكنة للتفسير اعتبروا العوامل البيولوجية (على سبيل المثال نوع الجسم) والاختلافات النفسية وتركيب الأسرة واختلافات سلوك الوالدين والعوامل المدرسية للتنبؤ وفهم حدوث السلوكيات الجانحة والإجرامية، وسعى شيلدون وإليانور جلوك في جميع أعمالهم إلى تحديد مجموعة محددة من العوامل التي تفسر حقيقة أنّ الأفراد الذين يواجهون نفس الظروف الاجتماعية الصعبة سوف يتصرفون بشكل مختلف.

 

سعى شيلدون وإليانور جلوك إلى نقل دراسة السلوك الإجرامي خارج المجال الوحيد لعلم الاجتماع وجعلها على الأقل متعددة التخصصات، ولقد فعلوا ذلك من خلال إظهار العلاقة التجريبية بين السلوك الإجرامي وعدد من العوامل المستمدة من مجموعة متنوعة من التخصصات ووجهات النظر، ومع ذلك لم ينتج عن عملهم نظرية متماسكة للجريمة تتجاوز نتائجهم التجريبية، فقد أنتج مقياسًا مستخدَمًا على نطاق واسع (لبعض الوقت) للتنبؤ بالجنوح وتركيز جهود الوقاية والتدخل، وقد أجبر علماء الجريمة على البدء في التعرف على أنّ التخصصات الأخرى غير علم الاجتماع ستكون ضرورية لتطوير تفسير شامل للسلوك الإجرامي للأفراد.

 

مناهج متعددة التخصصات

 

يظهر علم الإجرام كحقل منفصل للدراسة عندما يصبح النموذج الأساسي لتفسير السلوك الإجرامي متعدد التخصصات، وعندها فقط يوجد مبرر فكري لمجال منفصل للدراسة في الجامعات يكون مقنعًا بدرجة كافية لدعم مثل هذا التطور، واليوم المجلة الرائدة في علم الإجرام -مجلة الجمعية الأمريكية لعلم الجريمة (the Journal of the American Society of Criminology)- لها عنوان فرعي مجلة متعددة التخصصات، وبيان واضح لأهمية هذا المنظور لعلم الإجرام.

 

ومع ذلك ما المقصود بالنظرية متعددة التخصصات؟ فمن الواضح أنّ هذا النهج يفترض أنّ هناك حاجة إلى أكثر من تخصص واحد لشرح السلوك الإجرامي، أي نهج للتفسير مبني على تخصص واحد هو بحكم تعريفه غير مكتمل، ومع ذلك إذا كان لدينا فقط تفسيرات تستند إلى تراكم المتغيرات من تخصصات مختلفة فعندئذٍ لدينا ما اقترحه شيلدون وإليانور جلوك وهو: تفسيرات متعددة التخصصات، ولذلك تتجاوز النظرية متعددة التخصصات تجميع مساهمات التخصصات المختلفة وتدمج مساهمات هذه التخصصات المختلفة في نظرية متماسكة للسلوك الإجرامي، ويؤكد هذا النهج على جمع وجهات النظر معًا وليس التنافس بين وجهات النظر لمعرفة أيهما صحيح.

 

تفترض النظرية المناهج متعددة التخصصات أنّ هناك دورًا للتفسيرات البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية، ولكن العلاقات بين هذه المنظورات لا تقل أهمية ولا يمكن لأي منظور أن يفسر تأثير منظور آخر تمامًا، وبالتالي يمكن توقع أن تحتوي النظرية متعددة التخصصات ليس فقط على عناصر من جميع وجهات النظر التفسيرية ولكن أيضًا لتتجاوز ذلك لتحديد كيف يؤثر كل مستوى من مستويات التفسير، ولكن لا يلغي كل مستوى من مستويات التفسير.

 

على سبيل المثال السؤال ليس ما إذا كانت الطبيعة أو التنشئة تسبب الجريمة بل بالأحرى كيف تتفاعل لتفسير الاختلافات الفردية في السلوك الإجرامي، بل إنّها ليست مسألة لماذا يبدو أنّ الفقر مرتبط بارتفاع معدلات الجريمة، بل كيف يتفاعل النمو الفردي والفقر لتفسير سبب انحراف بعض الناس عن غيرهم، وكل بُعد من أبعاد التفسير غير قابل للاختزال إلى حد ما وكلٌّ منهما مرتبط بالآخر ويؤثر عليه.

 

تعتبر النظريات التطورية أو نظريات دورة الحياة من أكثر النظريات تأثيرًا في علم الإجرام اليوم، وهذه أمثلة جيدة لكيفية ظهور النظرية متعددة التخصصات كنموذج مهيمن في هذا المجال، واقترح روبرت سامبسون (Robert Sampson) في عام 2001 أنّ هذا النهج للنظرية أفضل طريقة لتقديمه من خلال النظر في الأسئلة التي تطرحها والتي حددها على أنّها تشمل ما يلي:

 

1- لماذا ومتى يتوقف معظم الأحداث عن الإساءة؟ أي ما هي العوامل التي تفسر الابتعاد عن الجريمة والانحراف؟

 

2- هل قدر بعض الجانحين أن يصبحوا مجرمين ثابتين في سن الرشد؟

 

3- هل يوجد في الواقع شيء مثل مجرم دائم مدى الحياة؟

 

4- ما الذي يفسر استقرار المخالف؟

 

أحد المساهمين الأوائل في هذا النهج هو تيري موفيت (Terrie Moffitt) في عام 2001، حيث تناول هذه الأسئلة من خلال افتراض وجود نمطين من السلوك المعادي للمجتمع وهما:

 

1- مسار الحياة المستمر: حيث بدأ الجاني مبكرًا وحافظ على مشاركته في السلوك المعادي للمجتمع، والسلوك طوال مسار الحياة.

 

2- المراهق المحدود: حيث يظهر السلوك المعادي للمجتمع للجاني وينتهي خلال تلك الفترة من مسار الحياة، ولاحظ موفيت أنّ النمط المستمر ينتج عن تفاعل المشاكل النفسية العصبية في الطفولة بشكل تراكمي مع بيئاتها الإجرامية مما ينتج عنه شخصية مرضية، في حين أنّ النمط المحدود للمراهقين هو نتيجة فجوة النضج المعاصرة التي تشجع المراهقين على التقليد السلوك المعادي للمجتمع بطرق معيارية وتعديلات.

 

من الواضح أنّ علم الأحياء وعلم النفس والمستويات الاجتماعية للتفسير واضحة حتى في هذا البيان الموجز لعملها، وهذه سمة من سمات الجهود المبذولة للإجابة على الأسئلة التي طرحها سامبسون عام 2001 وهي خاصية مركزية لنظرية مسار الحياة، ولهذا السبب يقدم هذا النهج إطارًا لعلم الجريمة للاقتراب من نظرية متعددة التخصصات للسلوك الإجرامي من شأنها أن تبرر بشكل كامل ظهور المجال كنظام جديد في العلوم الاجتماعية والسلوكية.

المصدر

رؤوف عبيد، أصول علمي الإجرام والعقاب (دار النهضة العربية، القاهرة 1985).إيناس محمد راضي (19-9-2015)، “الجريمة”، University of Babylon ، اطّلع عليه بتاريخ 27-4-2017.أ. د. محمد جبر الألفي (20-10-2016)، “ماهية الجريمة الجنائية”، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 27-4-2017.سعد الراشد (27-1-2015)، “أسباب الجريمة وطرق مكافحتها”، الجماهير، اطّلع عليه بتاريخ 29-4-2017.

شاهد أيضاً:   مملكة سراوق

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.