على الرغم من أنّ جميع العلوم تخضع لمثل هذه التأثيرات فمن المهم أن ندرك أنّ موضوع الدراسة الإجرامية أكثر من معظم الظواهر الاجتماعية، الذي ينتج صورًا عامة للجريمة والمجرمين وطرق الاستجابة لهم التي يمكن أن تقيد دراستهم وتؤثر عليها، ولذلك يجب أن يأخذ تاريخ علم الإجرام في الاعتبار التأثيرات الخارجية التي أثرت على تطوره، فأثناء معالجة هذه القضايا يتم فحص الديناميات الداخلية للنظام وكذلك القوى الخارجية التي غيرت في بعض الأحيان مسار علم الإجرام وتركيزه.

 

أبرز الجامعات التي طورت علم الجريمة

 

إنّ ظهور علم الإجرام كحقل أكاديمي وبحثي منفصل هو قضية نوقشت من قبل، حيث حدث هذا في جامعتين وهما:

 

1- جامعة كاليفورنيا في بيركلي.

 

2- جامعة ولاية ميتشيغان.

 

أبرز الشخصيات مطورين علم الجريمة

 

لم يركز أي من هاتين الجامعتين على ما شغل علماء الجريمة لأكثر من 60 عامًا وهو: تفسير السلوك الإجرامي بل بدلاً من ذلك ظهر كلاهما لمعالجة مسألة الحاجة إلى ضباط شرطة أفضل تعليماً، وقادت الجهود في جامعة كاليفورنيا الشخصية الأسطورية الآن في الشرطة الأمريكية أوغست فولمر (August Vollmer)، كما قد وصف ألبرت موريس (Albert Morris) في عام 1975 في تاريخه للجمعية الأمريكية لعلم الجريمة فولمر على انّه من المحتمل أن يكون قائد الشرطة الأكثر شهرة وابتكارًا في تاريخ الشرطة الأمريكي أوغست فولمر للأعوام من 1876 – 1955.

 

كان مارشال بيركلي للأعوام من 1905 – 1909 أول رئيس شرطة في بيركلي للأعوام من 1909 – 1932 وأستاذ إدارة الشرطة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي للأعوام من 1932 – 1937، وسعى على نطاق واسع كمستشار في إدارة الشرطة.

 

لقد كان شخصًا مهيبًا جسديًا حيث طوله 64 ووزنه حوالي 190 رطلاً ويبدو دائمًا أنّه في حالة بدنية عالية، ولقد كان رجلًا واسع الاطلاع ومبدعًا ولديه حماس معدٍ لجعل عمل الشرطة مهنة، مع مجموعة أساسية مدربة تدريباً عالياً من الأشخاص الحاصلين على شهادات جامعية، والذين يمكنهم التدريس على مستوى الكلية، وفي وقت مبكر من عام 1916 طور فولمر بالتعاون مع أستاذ القانون ألكسندر مارسدن كيد (Alexander Marsden Kidd) برنامجًا للدورة الصيفية في علم الجريمة في حرم بيركلي، حيث تم تقديم دورات من عام 1916 إلى عام 1931 باستثناء دورة عام 1927.

 

قام فولمر بتدريس دورات في بيركلي وساعد في تكوين تخصص معروض في العلوم السياسية في بيركلي في منتصف الثلاثينيات، وانضم إلى هيئة التدريس في عام 1932 وقاد تطوير أول مدرسة لعلم الجريمة في الولايات المتحدة تأسست في بيركلي في عام 1950، وبالنسبة لفولمر كان الغرض الأساسي من جهوده هو تثقيف ضباط الشرطة الذين يمكن أن يقودوا احتراف عمل الشرطة، وكان فولمر هو الذي عقد اجتماعاً في منزله عام 1941 أدى إلى إنشاء الرابطة الوطنية لمسؤولي تدريب الشرطة في الكليات والتي أصبحت فيما بعد جمعية النهوض بعلم الجريمة وهي اليوم الجمعية الأمريكية لعلم الجريمة، وتم تحديد الغرض من المنظمة والبرامج الأكاديمية التي شاركت في تأسيسها على النحو التالي:

 

1- انتساب المسؤولين المنخرطين في تدريب مهني للشرطة على مستوى الكلية.

 

2- توحيد مناهج تدريب الشرطة المختلفة.

 

3- لتوحيد قدر الإمكان موضوع الدورات المماثلة في المدارس المختلفة.

 

4- مواكبة التطورات الحديثة وتعزيز البحث.

 

5- لنشر المعلومات.

 

6- لرفع مستوى خدمة الشرطة.

 

7- تحفيز تكوين مدارس تدريب الشرطة في كليات الدولة.

 

8- كمشروع أكاديمي في بيركلي بدأ علم الجريمة بالتركيز على نظام العدالة الجنائية وبشكل أكثر تحديدًا تدريب الشرطة.

 

برنامج تعليم الشرطة

 

كانت القصة في جامعة ولاية ميتشيغان مماثلة حيث تأسست مدرسة العدالة الجنائية عام 1935، وهي البرنامج الذي يتمتع بأطول تاريخ في منح الشهادات المستمرة في هذا المجال، وبقيادة جهود لوموين سنايدر (LeMoyne Snyder) وهو طبيب وابن رئيس سابق لولاية ميشيغان وبالتعاون مع ولاية ميشيغان باترول (Michigan State Patrol) وافقت الجامعة على قسم جديد وتخصص في عام 1935 كان لتعليم ضباط الشرطة الحاليين والمحتملين في الإدارة والقانون.

 

كما ذكر في عام 1935 براندستتر في عام 1989 ولخصه عميد البرنامج الجديد بأن يكون خريجو الدورة أولاً وقبل كل شيء رجال جامعيين مدربين تدريباً جيداً مع تدريب أساسي في اللغة الإنجليزية والعلوم سواء الجسدية والاجتماعية، كما يجب تجنب الإفراط في التخصص في السنوات الثلاث الأولى من التدريب، وأن يتم إعطاء الطلاب تعليمات في القانون الجنائي والأدلة، وأن تُعطى السنة التدريبية الثالثة لمسح عام في علوم الشرطة وإدارتها، وذلك بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من التدريب في الكلية والتدريب المكثف في شرطة الولاية، وعلى طول الخطوط الخاصة التي تناسبه تدريبه السابق، وأن تكون أربع سنوات من العلوم العسكرية مطلوبة حتى يتدرب الطالب على الانضباط العسكري.

 

كان الهدف من البرنامج هو تعليم الشرطة، وكان إضفاء الطابع الاحترافي على العمل الشرطي الهدف النهائي للجهد، وكمشروع أكاديمي ظهر علم الإجرام بعلاقة أوثق بكثير بأهداف بكاريا مقارنة بأهداف لومبروسو، ويبدو التوتر بين التدريب والتعليم واضحًا في كلا البرنامجين، ولكن التركيز على التعليم في برنامج ولاية ميشيغان وضع المعايير لجميع البرامج الأكاديمية التي تلت ذلك.

 

الجمعية الأمريكية لعلم الجريمة

 

بينما كان التنظيم المهني لعلم الإجرام يتغير من التركيز على الشرطة، وكان مجال علم الإجرام الجديد يتغير أيضًا، وعندما تم تشكيل البرنامج في جامعة ولاية فلوريدا في الخمسينيات من القرن الماضي غطى أسباب الجريمة والشرطة والإصلاحيات والقانون الجنائي، مع التركيز على العلم والبحث كبرنامج علم إجرام شامل من شأنه أن يكون بمثابة نموذج للآخرين في جميع أنحاء البلاد، وفي عام 1957 غيرت المنظمة المهنية اسمها مرة أخرى إلى الجمعية الأمريكية لعلم الجريمة لتعكس الاتساع المتزايد للمجال والمنظمة.

 

لذلك بدأ علم الإجرام في جامعتين حكوميتين في ثلاثينيات القرن الماضي وبحلول الخمسينيات من القرن الماضي ظهر في جامعات أخرى يغلب عليها الطابع العام، وفي غضون 20 عامًا تغيرت من تعليم الشرطة إلى مجال جديد يتضمن تقليدين كبيرين لعلم الإجرام وهما:

 

1- الاهتمام بأسباب الجريمة وتحسين نظام العدالة الجنائية.

 

2- الاعتماد على العلم باعتباره طريقة فهم الأسباب وتحديد التحسينات.

 

ومع ذلك لم يعثر الحقل بعد على هويته بالكامل، ولاحظ أنّ برنامج بيركلي هو مدرسة لعلم الجريمة وولاية ميتشجان هي مدرسة للعدالة الجنائية وولاية فلوريدا هي أيضًا مدرسة لعلم الجريمة، وفي السبعينيات والثمانينيات كان البرنامج النموذجي في جامعة ألباني في كلية العدالة الجنائية، بينما في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان البرنامج الأبرز هو قسم علم الجريمة والعدالة الجنائية بجامعة ماريلاند، وعلى الرغم من اختلاف الأسماء تكشف نظرة على برامجهم وأبحاثهم ومهن الخريجين وأعضاء هيئة التدريس عن تشابه كبير، فلماذا إذن البرامج لها أسماء مختلفة؟

 

في الستينيات أصبحت الجريمة محور الاهتمام الوطني والتشريعات الفيدرالية والتمويل، وكان الهدف هو الحد من الجريمة من خلال عدالة جنائية أكثر فعالية، وبالنسبة لبعض الناس في العالم السياسي ارتبط علم الإجرام بالسببية (الأسباب الجذرية) ومعاملة المجرمين والتساهل مع الجريمة، وتم تعزيز هذا الموقف عندما أصبحت كلية علم الجريمة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي مركزًا لعلم الجريمة اليساري الراديكالي وأغلقتها الجامعة، ومع نمو المجال مدفوعًا جزئيًا بالاهتمام القومي المتزايد بالجريمة والتمويل الفيدرالي أصبحت العدالة الجنائية اسمًا مقبولاً أكثر من علم الجريمة.

 

ومع ذلك مع نضوج المجال وأصبح دور علم الإجرام أكثر وضوحًا ظهر استخدام اسم علم الجريمة والعدالة الجنائية كبيان واضح أنّ المجال تناول كلا من أسس المجال وأسباب الجريمة وتحسينات العدالة الجنائية، والآن يمكن اعتبار بيكاريا ولومبروسو مؤسسي مجال ترقى إلى مستوى تعريف ساذرلاند في عام 1939 للجسم الذي درس علميًا صنع القانون وانتهاك القانون ورد فعل المجتمع لخرق القانون، واليوم حتى نظرة موجزة على برنامج اجتماعات الجمعية الأمريكية لعلم الجريمة يكشف أنّ المجال يشمل كل جانب من جوانب الجريمة والعدالة ولكن دائمًا مع الاهتمام بالدقة العلمية للمشروع.

المصدر

سعد الراشد (27-1-2015)، “أسباب الجريمة وطرق مكافحتها”، الجماهير، اطّلع عليه بتاريخ 29-4-2017.أ. د. محمد جبر الألفي (20-10-2016)، “ماهية الجريمة الجنائية”، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 27-4-2017.إيناس محمد راضي (19-9-2015)، “الجريمة”، University of Babylon ، اطّلع عليه بتاريخ 27-4-2017.رؤوف عبيد، أصول علمي الإجرام والعقاب (دار النهضة العربية، القاهرة 1985(.

شاهد أيضاً:   تاريخ حرب جزر تشينشا في بيرو عام 1863

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.