اقرأ في هذا المقال:

تُعتبر هذه القصة من روائع الأدب الفرنسي التي صدرت عن الأديب بول بورجيه، وقد تناولت القصة في مضمونها الحديث عن سيدة أرملة ما زالت في مرحلة الشباب رفضت الزواج مرة أخرى من أجل أن يعيش أبنائها حياة هادئة وسعيدة، وقد فضلت سعادتهم على سعادتها.

 

قصة الابن

 

في البداية تدور وقائع وأحداث القصة حول الشخصية الرئيسية وهي سيدة تدعى ليجيه، حيث أن تلك السيدة كانت قد استيقظت في صباح أحد الأيام ويبدو أنها كانت قلقه ويشغل تفكيرها العديد من الهموم، ومن أبرز تلك الهموم هو أنها قد أصبحت أرملة منذ ما يقارب على العامين ولديها ثلاثة من الأبناء جميعهم بنين، وهي ما زالت في مقتبل العمر وتبلغ ثلاثة وثلاثين عاماً، إذ قررت في ذلك اليوم أن تضع حد لتلك الحياة البائسة التي تعيشها.

 

وفي ذلك الوقت كان أحد الرجال المقربين من زوجها المتوفي ويدعى السيد جورج ويعمل في ذات المهنة التي كان يعمل بها زوجها وهي مهنة المحاماة قد اعترف لها منذ عدة أسابيع سابقة أنه يكن لها مشاعر وعواطف مفعمة بالحب، وأنه يضمر تلك المشاعر لها منذ زمن بعيد، وأول ما أحس بتلك المشاعر كان في الوقت الذي كان به زوجها على قيد الحياة، ولم يكن في البداية يدرك ماهية تلك الأحاسيس.

 

إلا أنه بعد فراق زوجها فهم تماماً أن تلك المشاعر هي مشاعر الحب والعشق، ولم يقوى على البوح بتلك المشاعر إلا بعد أن توفي صديقه، كما أشار لها بأنها لا بد أنها كانت تلاحظ عليه ذلك الصمت الدائم، وأوضح لها أنه هو ذلك السبب الذي دفعه للقيام برعايتها ومواساتها والاهتمام بها كثيراً بعد وفاة زوجها، كما صرح لها بأنه بسبب عشقه لها قطع كل صلة كانت تربطه في أي سيدة من السيدات.

 

وفي أحد الأيام أرسل لها ذلك المحامي رسالة قال بها: أنت يا سيدتي ما زلت في ريعان الشباب من حقك أن تسعي لتعيشي حياة زوجية سعيدة جديدة، فهل من الممكن يا عزيزتي أن تعطيني أملاً في أن أكون الزوج الثاني، وأعدك أن أكون الزوج الوفي والمخلص الذي يبقى حلمه الوحيد هو أن يضحي بحياته من أجل خلق السعادة والراحة لكِ، وبعد أن انتهت السيدة من قراءة الرسالة كانت ترتجف قليلاً ولم تنطق بأي كلمة.

 

وقد أصبحت في حيرة من أمرها، ولم ترد عليه بأي وسيلة في البداية، إلا أنها رأت بعد ذلك أنها ينبغي عليها أن ترد عليه، فقامت بدعوته إلى المنزل، وأول ما وصل وجلس للحظات، بدأت بالحديث وقالت له: يا سيدي لطالما كنت الصديق الوفي لزوجي، وإنما حياتي لا أقوى على تغييرها فأنا لا أعرف في حياتي سوى السهر على رعاية أولادي وتقديم واجبي اتجاههم.

 

فرد عليها الصديق المحامي: ومن سوف يكون الأب لأبنائك ويحل محل والدهم الراحل، وأن أفضل من يحل محل والدهم هو صديق أبيهم المخلص، وإنني أعرفهم تماماً منذ صغرهم، كما أنني باستمرار أحبهم وأحنو مثل والدهم تماماً، وهنا ردت عليه الأرملة وقالت: إنني لا أستطيع أن أجيبك على طلبك الآن، ولكنها وعدته أن تبوح له بالجواب بعد مرور الذكرى الثانية على وفاة زوجها، وقد كانت تلك الذكرى بعد ستة أسابيع.

 

ومع مرور الأيام غادر السيد جورج مدينة باريس وقد مرت الأسابيع، ولكن الأرملة لم تستشعر بذكرى وفاة زوجها كما مرت بها في المرة السابقة، حيث أن الأرملة كانت قد احتفلت بالذكرى الثانية على وفاة زوجها بشيء من البرود والبؤس على حالها؛ وذلك لأنه قبل قبل مرور تلك الذكرى بيوم وصلتها رسالة من السيد جورج وقد أخبرها فيها أنه في اليوم التالي لذكرى وفاة زوجها سوف يقوم بزيارتها وتناول وجبة الغداء معها.

 

وحين قرأت الأرملة تلك الرسالة اعترتها سعادة عارمة، كما أنها أخذت بتقبل الرسالة، وبدأت تردد سوف أرد عليه بنعم، ولكن في صباح اليوم التالي كانت قد استيقظت من منامها وهي تفكر في أحد الأمور التي يثير التوتر والقلق بداخلها، وقد كان ذلك الأمر يتعلق بابنها البكر، حيث أنها حين تحدثت مع السيد جورج عن واجباتها كأم لم تتطرق للحديث حول ذلك الابن، وقد كان ذلك الابن الذي يدعى شارل هو السبب الرئيسي في شعورها بالتوتر ومدعاة خوفها، حيث أن شارل لم يتحدث مع والدته أي كلمة حول طلب السيد جورج، ولم يميز السيد جورج هذا الابن والذي كان قد بلغ السادسة عشر من عمره من شقيقه الأصغر منه سناً واللذان يدعيان رينيه وهيلين.

 

وقد كانت تلك المرحلة التي يمر بها شارل وهي مرحلة المراهقة، والتي جعلت بينه وبين السيد جورج نوع من أنواع النفور نوعاً ما، وقد كانت الأرملة تترقب طوال الوقت خوفاً من أن يحدث بينها وبين ابنها ثوران، وقد بدأت في أخذ حذرها من أن يحدث مثل ذلك الأمر وتهيأت لذلك.

 

وفي ذلك اليوم الموعود استيقظت الأرملة من نومها وخلعت ملابس الحداد على زوجها، وبدأت في تتزين نفسها من أجل استقبال السيد جورج، كما طلبت من جميع الخدم استبدال كرسي زوجها الذي كان محدد له على مائدة الطعام بكرسي أخر، كان شارل في ذلك الوقت يتقدم على جميع زملائه في دراسته وهو الأول عليهم، كما كان يتأهل من أجل أن يحل محل والده في رعاية عائلته.

 

وفي ذلك اليوم حين مر شارل من أمام غرفة والدته تفاجأ بما رأته عيناه، إذ رأى والدته وقد غيرت ملابس الحداد، حاولت والدته في تلك اللحظات أن تخبره بسبب قدوم السيد جورج، إلا أنها ترددت وقررت أن تنتظر حتى يصل المحامي، وحينما حان موعد الغداء وأخذت السيدة في الإمساك بالمقعد كي تجلس عليه، إذا بشارل يلقي عليها نظرة تفيض بكم هائل من الحنان ثم بعد ذلك فاضت عيناه بالدموع، فلم يكن ذلك الأمر في الحقيقة نابع من الشعور بالغضب، وإنما من الشعور بالامتنان، ولكنه لم يلحظ صورة الدهشة التي اعتاد عليها من والدته قد بدت عليها كالمعتاد.

 

وفي تلك الأثناء اعتقد شارل أن الكرسي الجديد قد وضعته والدته له حتى يحل محل والده، وأخذ بشكرها والاعتذار لها؛ وذلك لأنه صرح لها بانه اعتقد أنها ترغب في الزواج مرة أخرى، كما فعلت أمهات ثلاثة من أصدقاؤه، وهنا تخيلت الأرملة أنها كادت أن تحطم قلب ابنها النبيل، وفي تلك اللحظة دخل الخادم وأخبرها بوصول السيد جورج، فقالت للخادم  أخبر السيد جورج أنه لا يمكنها أن تقابله في ذلك الوقت، وأنها سوف ترد على طلبه برسالة، وتوجهت نحو ابنها وعانقته بلهفه وقالت له: لن أقبل على الاطلاق أن تتألم من أجل سعادتي، إنك نصيبي الجميل من هذه الحياة.

 

المصدر

كتاب جريمة حب وقصص أخرى – بول بورجيه – 1999

شاهد أيضاً:   قصة قصيدة وما أتصدى للخليل وما أرى

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.