اقرأ في هذا المقال:

تُعتبر هذه القصة من الروائع الأدبية التي صدرت عن الأديب الأمريكي جون بارث، وقد تناولت في مضمونها الحديث حول غموض العاطفة الدينية من خلال قصة حدثت مع شاب وفتاة رعتهما العناية الإلهية طوال حياتهما حتى الممات.

 

قصة نهاية الطريق

 

في البداية كانت تدور وقائع وأحداث القصة في أحد الأيام في إحدى المناطق التي تقطن بها بحيرة تعرف باسم بحيرة كومو، حيث كانت هناك العديد من الصخور المحيطة بتلك البحيرة، ومن ذلك المكان على ضفاف أحد الجبال المحيطة والذي كان يوازي ارتفاعه عن البحيرة ما يقارب ثلاثة آلاف قدم، كانت هناك تقع إحدى الكنائس الصغيرة في الحجم، والتي كان قد عبث بها الزمن.

 

وقد كانت تلك الكنيسة مطلة على قريتين صغيرتين القرية الأولى تعرف باسم كادناييا والقرية الأخرى تعرف باسم مناجيو، ويدور بكل ذلك المحيط مجموعة من الجبال العالية والشاهقة والذوائب التي تتناهى سفوحها إلى جبال الألب العظيمة المشهورة عالمياً، وفي كل عام كانت الأقوام من مختلف القرى يحجون إلى تلك الكنيسة مرة واحدة؛ وذلك من أجل أن يتضرعون إلى الله من أجل أن ينعم عليهم بالغيث والأمطار الوفيرة.

 

وفي تلك المنطقة كان يقيم شخص يدعى بلاجدن، وفي أحد الأيام كان بلاجدن يصعد في إحدى الطرق المتموجة الممتدة بين مجموعة من المنازل التي تتميز باللون الأزرق وأشجار السرو المتصلة مع بعضها البعض وممتدة على طول الجبال، تقدم بلاجدن واستمر بالصعود باتجاه الكنيسة، وعلى الرغم من كل ما يحيط به من مظاهر الإبداع والجمال وآيات الحسن، إلا أنه كان يجد أن تلك الطريق باردة إلى حد كبير، كما أن الظلام الذي كان يحيط بالمنطقة جعله يشعر بشيء من الرعب والخوف.

 

ولكن على الرغم من حالة الخوف التي اعترته إلى أنه تمكن في النهاية من الوصول إلى باب الكنيسة وفتحه ودخل، وأول ما أقفل الباب من خلفه وخطى بعض خطوات نحو الأمام كان لواقع أقدامه رنين؛ وذلك لأن الكنيسة ما زالت فارغة من الأشخاص والحجاج، وكل ما وجده في أحد أركان الكنيسة هو أربع شمعات موقدات، وحين توجه نحو تلك الشموع ووقف أمامهم تجلى شعاع تلك الشموع ليشاهد صورة السيدة مريم، وقد كانت تلك الصورة موضوعة ضمن إطار بسيط موسوم باللون الذهبي، وحينما حدق جيداً بالصورة وجد أنه تم تثبيت خنجر دقيق ذو نصل رهيف أسفل اللوحة.

 

وفي تلك الأثناء اقترب بلاجدن من الصورة ومد يديه محاولاً أن ينزع ذلك الخنجر، إذ اعتقد أن هناك شخصاً نسيه هنا أو وضعه عن طريق الخطأ، إلا أنه وبشكل مفاجئ انبعث من خلفه صوت في ظل الظلام الدامس وقد قال: أيها السيد لا أحب هذا الخنجر أن يلمسه أي شخص على الاطلاق، وفي تلك اللحظة التفت بلاجدن إلى الخلف وإذ بشبح يرتدي زي الرهبان، وقد كان ذلك الشبح يتميز بجسد هزيل ووجه شاحب وتتدلى على أكتافه الشعر الشائب الأبيض، ولم يظهر على ذلك الراهب سوى أنه يبدو عليه قليل من الذكاء وعينان ينبعث من خلالهم الضوء، أما بقية ملامح وجهه فقد كان تشبه إلى حد كبير وجوه الموتى.

 

وفي تلك اللحظة توجه إليه بلاجدن بسؤال وقال: لماذا يا سيدي؟ فرد عليه الراهب: إن لذلك الخنجر قصة فهل لك في سماعها؟، وفي تلك اللحظة أومأ له بلاجدن برأسه وقد أبدأ الموافقة على طلبه، وهنا قام الراهب بالسير في الظلام الدامس حتى وصل إلى الصف الأول من المقاعد الصغيرة الموجودة في الكنيسة، وحينما استوى أمامه رسم السيدة مريم وأشار نحوها بأضواء الشموع، وهنا التفت نحو بلاجدن وقال: كانت قد حدثت القصة منذ زمن بعيد جداً حينما كانت فتاة تدعى روزا تقيم مع والدها في أحد المنازل الصغيرة الواقعة في مدينة مناجيو.

 

وقد كانت روزا تقوم برعي الأغنام والماعز، كما كانت تقضي نهارها تحت أشعة الشمس الساطعة وتقضي جل وقتها في الغناء وتطرب الجميع بصوتها العذب الجميل، وعلى الرغم من حرارة الشمس القوية، إلا أنها لا تغطي نفسها أبداً من تلك الأشعة الحارقة.

 

وقد كان لدى روزا صديق مقرب منها جداً يدعى جيوفاني، حيث أن جيوفاني الذي يغدو كل صباح كانت ترعاه الطبيعة بأوراقها والشمس بدفئها، كانا هؤلاء الشباب منذ مرحلة الطفولة ترعاهم العناية الإلهية يا سيدي، إذ أن الدهر قد غفل عنهما، ففي الكثير من الأحيان ما كانا يقضيان الليل يتسامران جالسان على ضفاف البحيرة، وكان الناس حينما يرونهم يرددون أنه سوف يتم عقد قرانهم في  موسم جني العنب، وفي يوم من الأيام ظهرت قوة جديدة في الأفق، وقد كانت تلك القوة قد تمثلت في هذه الكنيسة، وحينما شاهدت الفتاة روزا تلك الكنيسة رغبت في أن تدخل إلى هذا المكان وتكتشف ما بداخله، وأول ما وصلت إلى الدير المحيط بالكنيسة، وإذ فجأة أحيط بالمنطقة حجاب كثيف فتوصد عليها باب الدير العتيق.

 

وفي ذلك الوقت حين وصل ذلك الأمر إلى مسامع جيوفاني جن جنونه وطار عقله، إذ أنه فوق الحب الذي كان يكنه إلى تلك الفتاة كان هناك شيئًا أعظم من حبه وأعمق من حالة الغرام الذي وقع بها، وأول ما حصل ذلك مع الفتاة والتي قامت بدورها بالعديد من الابتهالات والأدعية؛ وذلك كي تضاء لها الطريق وتعود إلى منزلها، ولكنها بعد قضائها فترة قصيرة في ذلك الدير اختارت أن تبقى به دون أن تشاهد حبيبها مرة أخرى، إلا أن الفتى حينما أدرك ذلك الأمر بعد طول انتظار محبوبته انطلق إلى ذاك الطريق ثم قام بطعن قلب العذراء، واختفى بعدها لمدة تقارب على اليومين ثم رجع إلى القرية، إلا أنه برزت على ملامح وجهه علامات تدل على إصابته بالجنون.

 

وأول ما وصل إلى القرية كانت ذات اللحظة التي تتم بها تشييع جنازة الفتاة، لقد توفيت في الدير وهي جاثية على ركبتيها في اللحظة التي طعن فيها الفتى قلب العذراء، ولم يتم التوصل إلى سبب واضح لوفاتها.

 

وفي النهاية كان هناك سر قد غاب عن أذهان وعقول البشر، وهو ما أخبرته به الراهبات المقيمات في الكنيسة بأن الفتاة روزا كانت كانت تبتهل إلى الله أن يمنحها القوة الكافية على الاستمرار في تلك الحياة البائسة التي تعيشها، وأن تتمكن من التوافق بين حبيبها وحبها وعشقها إلى التدين، وأخيراً غادر بلاجدن وهو يردد في جميع الأحوال فقد اختارت الفتاة دين الله على حبيبها جيوفاني.

المصدر

كتاب المجموعة القصصية ضائع في منزل لهو – جون بارث – 1968

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.